المقداد السيوري
478
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
في جهنّم » « 1 » فهل يوجد مسلم عاقل ينسب هذه الاحتمالات والأسئلة التي ذكرناها إلى قدس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ . حاشا وكلّا . ولقد أجاد من قال : إنّ مقتضى العقل والنقل عدم جواز إهمال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أمر الخلافة من بعده ، ولا يمكن أن يرتحل إلى لقاء اللّه تعالى قبل أن ينصب وصيّه وخليفته ، وهو صلّى اللّه عليه وآله يعلم شدّة الخلاف بين الأمّة بل وتلاعب المنافقين من أصحابه بالشريعة في حياته ، فكيف بهم بعد وفاته ، وكان يعلم أنّه سوف يموت عن أناس لم يدخل الإيمان في قلوبهم ، وعلم - بالضرورة من الوحي - شقاق بعض أصحابه ونفاقهم ، وارتداد ثلّة منهم ، وانقلابهم على أدبارهم . وأمّا إيكال الأمر في اختيار الخليفة إلى أصحابه فإنّما هو تضييع للشريعة ، وإيقاع لها ولهم في المفسدة ؛ لأنّ الآراء مختلفة والرغبات متضاربة ، وقد أفصح عن ذلك خلاف الأنصار والمهاجرين يوم السقيفة ، وتخلّف أمير المؤمنين عليه السّلام وبني هاشم ومتابعيهم عن الدخول في البيعة ، وما حدث يومئذ من النزاع والخصام . ومن هنا قال عمر بعد السقيفة : « كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها » وقال أمير المؤمنين عليه السّلام لعمر لما قهره عمر على البيعة : « احلب حلبا لك شطره » وقد عرف عمر أنّ الأصحاب لا يتّفقون فيما بينهم على رأي واحد كما في الستّة الذين جعلهم من أصحاب الشورى بعده - مع قلة عددهم ، وثقة الأمّة بهم - فحكم بالأخذ بجانب الأكثر منهم ، ومع التساوي في عدد المختلفين ، جعل الترجيح في الجانب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف ، ومع الاختلاف أمر بضرب عنق المتخلّف منهم . وطعن أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه الشورى ، بقوله : « فيا للّه وللشورى . . . فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره . . . مع هنّ وهنّ . . . » وأخيرا ناقشت الصحابة أعمال عثمان ، وانتقدوا تصرّفاته ، فخلعوه وقتلوه بأنفسهم كما نصبوه بأنفسهم ، ثمّ خرجوا على أمير المؤمنين عليه السّلام وبغوا
--> ( 1 ) تقوية الإيمان ، ص 90 ، طبعة صيدا .